عبد الإله دحمان يكتب..الوحدة النقابية خيار جماهيري وضرورة نضالية

آخر تحديث : الثلاثاء 9 أبريل 2019 - 9:07 صباحًا

تعيش الحركة النقابية بالمغرب أزمة بنيوية حادة نتيجة التحولات السريعة في البنى الاجتماعية والسياسية وانساق العلم والمعرفة ، سيما في ظل الانتقالات السريعة التي أحدثتها الوسائط الاجتماعية وما رافق ذلك من تغيرات همت مفاهيم كثيرة في مقدمتها التنظيمات السياسية والنقابية والمدنية بشكل عام ، ولعل التنظيم النقابي بالمغرب نموذج لهذه الأزمة المركبة ، حيث لا زال يقاوم اكثر من غيره موجة التفكك والاندثار وتراجع منسوب الثقة قبل نسب التنقيب التي لا تتجاوز اليوم 4% ، ناهيك عن انغراس هذه الأزمة أيضا بسبب تغول دينامية للعولمة الرأسمالية واللليبرالية المتوحشة ، وتدفق فائض قيمة النضال خارج الانسان والأشكال التقليدية للتنظيمات ، وتنامي تشبيك الشركات المتعددة الجنسيات وبسط هيمنتها ليس فقط على مستوى فضاء التبادل التجاري والنشاط الاقتصادي بل ابتلاعها لاقتصاديات قطرية وتحولها من الاستحواذ على الموارد الخام والثروات الوطنية الى هيمنة مباشرة وقدرة على انتاج المفاهيم وإنتاج خدمات وبضائع جديدة من قبيل النبضات الالكترونية وعدة عالم الافتراض ، هذا التحول في مفهوم الشغل والبضاعة والعلاقات الشغيلة ، لم تواكبه مراجعات فكرية مواكبة تستوعب التحول وتؤسس لنموذج التنظيم الرقمي القادر على المنافسة في سياق العولمة السريع التغير والتحول ، بل لا حظنا استفحال ظاهرة الانشقاق والتشتت وخضوع القرار النقابي لأجندة الحزبي وخارج الحزبي وتواصل الانشطار على خلفية الصراعات الحزبية كذلك ، واستفحل الواقع النقابي المأزوم بسيادة منطق عدمي تمثل في عدم وضوح التصورات المطلبية، بل غياب استراتيجية نضالية وحدوية على اساس وحدة الملف المطلبي للشغيلة المغربية واستمرار نخب تنتمي لزمن نقابي استنفذ امكاناته النضالية في احتكار القرار والمسؤولية، ومنع اي تجيييل ممكن في موقع القيادة ، ناهيك عن بعد النقابية المغربية عن دعم الممارسة النقابية بالتنظير والتطارح الفكري والمعرفي ، لذا تجرأت حكومات وبأطروحات غير اجتماعية وارباب عمل و برهانات جشعية في مضاعفة أزمة العمل النقابي ، تارة عبر آلية كبح قانوني واخرى تحت يافطة الاصلاح او تمرير إملاءات ومخططات ترفع شعار البعد الاجتماعي وتخفي نهاية دولة الرفاه والخدمات الاجتماعية المفتوحة عبر إجراءات وتدابير حكومية، مهدت للإجهاز على منظومة الحقوق والحريات النقابية الأساس ، حيث اعتماد نمط للتوظيف هش خارج مسلك الوظيفة العمومية التي وضعت في مسلك الانقراض ، او من خلال تسييج الطبقة العاملة بقيود تفرضها ممارسات تعسفية من قبيل التضيييق على العمل النقابي واستعدائه ومحاولة تدجينه وإفقاده المصداقية وتهريب استقلالية قراره وجعله في موقع غير قادر على صيانة الحقوق والمكتسبات ، مما افرز ضعف التنقيب وخفوت وهج الممارسة النقابية ، الشيء الذي مهد لبروز تعابير احتجاجية متجاوزة للنموذج التنظيمي التقليدي للنقابات (السترات الصفر /التنسيقيات ).

وبالتالي امام تجذر الأزمة وتشابكها وارتفاع منسوب الغضب تجاه العمل النقابي وضمور الثقة فيه ، وجب مواجهة الواقع ، فالحركة النقابية لم تتخلف يوما عن ساحات النضال ومساراته المتشعبة سياسيا واجتماعياً وحقوقيا وديموقراطيا ، وهي مطالبة اليوم بتقديم اجابات قادرة على صد الهجوم الذي يستهدف مكتسبات الطبقة العاملة المغربية، اجابات توحد الفعل النضالي للنقابات وتجعله اكثر ارتباطا ووفاء لتطلعات الشغيلة المغربية وتستعيد من خلاله وظيفة التأطير النقابي المنتج للوعي بالواقع الاجتماعي والسياسي والاقتصادي ….المركب ،في ظل زحف العولمة وانغراس التحولات العالمية والجهوية والمحلية بعيدا عن اي تملك لكيفية المواجهة الموحدة ، مما يستلزم تعاقدا بين مكونات الحركة النقابية المغربية يفضي الى خارطة طريق نضالية ومطلبية موحدة في السير والأفق لإنهاء الأزمة واستعادة الدور ، هذا الأفق والمسعى اليه يقتضي مساءلة تجليات الأزمة وخلخلت بنياتها، ولعل أزمة العمل النقابي أزمة مركبة يتشابك داخلها الذاتي بالموضوعي ويبقى أبرزها ما يلي : * ضعف الحياة الديموقراطية داخل التنظيمات النقابية : ساهمت التعددية الشكلية التي رافقت المسار التاريخي للعمل النقابي ونشأته في تمييع العمل النقابي ، فهي لم تكن نتيجة اختلاف في الرؤية الاجتماعية او إفراز لتموقفات متباينة من الوضع الاجتماعي او النضالي بقدر ما كانت توظيف حزبي لأداة العمال النضالية وهو ما زكى واقع التشتتت النقابي والذي غذاه أيضا مسارالانشقاقات المتوالية التي تعيش على إيقاعها مختلف المركزيات النقابية ، فكلما انقسم حزب أسس نقابة وكلما انفصلت نقابة عن حزبها أسست حزبها، هذه الانشقاقات منها الطبيعة نتيجة تفاعلات تنظيمية او اختلافات عشية استحقاق تنظيمي او سياسي واُخرى وليدة التدخل المباشر للدولة في شؤون هذه المركزيات، والعمل على اختراق استقلالية قرارها النقابي عبر قيادات او منتسبين لها ، وبالتالي غياب حاضنة ديموقراطية ووعاء تنظيمي يغذيها ساهم في تجليات الانحراف النقابي وفقدان منسوب الثقة فيه وفِي جدواه ، سيما في ظل عدم تمكن النخب الجديدة من أخذ فرصتها في القيادة النقابية واستمرار الشيوخ في احتكار مواقع القرار وإحاطة أنفسهم بنخب انتهازية لا هم لها سوى الحرص على الترقي الاجتماعي الشخصي على حساب مصداقية العمل النقابي وامال المناضلين ، وعموما المشهد النقابي المأزوم تعتوره أمراض في حاجة الى استئصال من اجل تسريع معافاة العمل النقابي عبر دعم دمقرطة الحياة النقابية الداخلية وتجديد آليات اشتغالها باستحضار التحولات الجارية في الحوض الوطني والدولي، كما يفرض الواقع النقابي اليوم الحسم مع موقع الذيلية والتبعية الحزبية واثبات الندية ،حتى يتمكن العمل النقابي من القيام بأدواره ومهامه الطليعية دون رضوخه لقرار الوصي الحزبي الذي يتحكم في مسارات المعارك النضالية، وهو ما شكل للعديد من مكونات الحركة النقابية المغربية عائقا أساسيا أمام القيام بمهامها وأدوارها على الوجه الأكمل.

2019-04-09
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اكتب ملاحظة صغيرة عن التعليقات المنشورة على موقعك (يمكنك إخفاء هذه الملاحظة من إعدادات التعليقات)

redacteur